نبض نخلة: أعشاب//الكاتب عبد الفتاح الطياري

الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

أعشاب//الكاتب عبد الفتاح الطياري

 أعشاب 


لينجأ من هواء المدينة الملوث... وبعد عامين من التردد، ودراسة علم الأحياء، ودبلوم الطب البديل والأعشاب، اختار قرية صغيرة في الوطن القبلي التونسي ليستقر فيها.

ككل يوم أحد، تجتمع أبناء القرية بالمقهى الوحيد... سرب سرب... كل واحد حسب معارفه... أهل الطرب مع أهل الطرب... أصحاب الكرة مع الكرة... ولاعبي الورق بين بعضها... ومنتهكو العروض زمر زمر...

وفي هذا الجو المعتاد المطمئن برز شاب من وراء الخشب كما نقول عندنا، أنيق ومحترم... لحيته سوداء من آخر ما نسج وبدلة وربطة عنق أنيقة ليس معتادة عندنا... فتح عيادة للتداوي بالأعشاب... وكشك لبيع وتذوق الأعشاب... من عصير وشاي وتبزانه وعسل وزيت... ودهان...

أصبح ضحكة البلاد. لا يقصده أحد إلا بعض النسوة حبا للاطلاع.

كان الصبي ذكي أختار زمرته شعراء القرية وهم تسعة وكل المثقفين وأهل الدين وكل مرة يزور شلة من هؤلاء المتساكنين ولا يعمر بينهم طويل. من امتيازاته السماع والصمت ونشر ما يقال على كراس يحملها في جيبه مدعيا أنها حبلى بأنواع أعشاب غابة القرية... ونكت أهلها وخرافاتهم وعاداتهم من المآكل... ومواسمهم وأعراسهم...

مما زاد ضحك الأولاد عليه متهكمين... إن هذه القرية مأوى النازحين والمعاقين ليس لها ما يجلب إلا القيل والقال والنوم العميق... يقاطعهم أن قريتكم من أعلى ما عرفته من قرى الوطن... قريبة من العاصمة وهي ليست مدينة... قريبة من الشواطئ والملاهي... ووسط جبل وهضاب وبساتين وحتى الحاكم رزقكم بقناة أين يهرهر الماء وكأنه وادي النيل... طرق وطرق سريعة وسكة حديدية تقطعها وثمانية قناطر تحمل ماراتها وعرباتها... ولا أحدثكم على أصناف أعشابها الطبية وثرواتها من عنب وزيتون وخضر وليمون وياسمين وفل وورد عطرشاء والزهر والتوت... والعرعار...

تعجب الجميع وقالوا بصوت واحد من أين لك هذا؟

رد عليهم، فما عليكم إلا أن تفتحوا عيونكم الناعسة...

كان عجيب صبينا... ينهض فجرا يفتح عيادته ويترقب لا أحد. مع التاسعة يغلق بابه ويتجه للغابة لصيد الأعشاب وخاصة النادرة منها. كان لا يأكل اللحم. كان نباتي... وعندما يسألوه لماذا أنت ضعيف يقول: أخاف أن أصبح مثلكم بطين...

مرت بعض الأشهر وأصبحت عيادته مملوءة من المتذوقين... يا ترى ما سره؟

كما سردت سابقا كان ذكيا فعوّل على النساء لإشهار دوائه... خصص دروس استثنائية وخصوصية لهن حتى يعرفن الطبخ بالأعشاب وأشكال المستحضرات العشبية للتداوي وكان أكثرها شيوعًا هو سائل يشربه المريض- إما شاي عشبي أو مستخلص نبات مخف.

وكان هذا التطوع في أن واحد رسالة إلى الذكور.

علمهم فن "الطب البديل" كالوخز بالإبر والعلاج بالطاقة الجسدية والتأمل وغيرها...

وتصنيف النباتات المخدرة والمهدئة والنباتات العطرية والبرية التي باتت تصنع وتعلب وتباع في جميع أنحاء العالم على رفوف خاصة بها داخل الصيدليات والمتاجر الكبيرة...

دارت الدائرة وكما ليس عندنا مستشفى قريبا منا ولدينا شعبا كاملا مصابا بالأمراض المزمنة. حل هو محله... وأصبح كل من له داء وجد الدواء قربه...

أصبح دكانه أشهر مكان تباع فيه الأعشاب الطبية التي تنمو في غابات القرية وجبالها، ويرتاده الناس بمختلف مهنهم وأعمارهم وأصولهم.

بدأت الرجال تقلق من تأثير هذا الصبي على نسائهم وبناتهم... فمنهن المعجبة... ومنهن المحبة... ومنهن المداعبة... ومنهم الغائرة... فحذروه... ارجع عليهم بكل أدب وسلاسة: لا تخافون على نسائكم أني أحترمهن كامي وإخوتي ولا داعي للشك في طموحاتي الجنسية فأنا قريب سأتزوج... فرح الجميع بهذا الخبر وزفوه لنسائهم.

هناك عجوز لا تصدق ما سمعت وقررت أن تصنع من نفسها محققا لصالح القرية...

فقررت أن تغذيه كل مساء... تحمل إليه ما طاب وفخر من مأكولات ومنتوجات القرية وكل مرة تأتى دون إشارة تطرق الباب وتبقى تترقب طويلا حتى يفتح الباب فتقول إليه هذه طبخة فلانة زوجة أو بنت فلان... لا تخف فلا سحرا عليها... وأنت صاحب الأعشاب تعرف النبتة التي تمحى السحر. لا يرد عليها تعطيه الغذاء وتنصرف.

تعودت ولكن بدأت تشك في تصرف هذا الفتى ولماذا لا يفتح الباب بسرعة... ومع كل وجبة تستنبط قصة وتتوغل في السقيفة... وبهو الدار... والمطبخ والغرفة...

وفي يوم من الأيام قالت له نساء القرية كلهن مرضى ولا يعرفون السبب، فلا طعام هذه الليلة وقررت أن تعينه على الطبخ... رضي ولكن لم ينتبه إلى المكيدة التي تدبرها العجوز... فكل مرة تطلب منه المستحيل... حتى أجبرته أن يخرج للدكان البعيد ويجلب المستحيل... عندها استغلت الفرصة لتزور الخزائن فوجدتها مغلقة موصدة، مما زاد في تساؤلها... وعندما هي راجعة إلى المطبخ رأت شيئا من وراء نافذة غرفة النوم، حيّره... مرت ولم تقل شيئا ثم خزنت سرها في ذهنها...

عرف الشاب أن العجوز كانت كاذبة، عندما رأى في الشارع نساء القرية تتجول بكل سلامة و حيوه بكل لباقة.

لم يظهر للعيان ثلاثة أيام عن التوالي... هب أهل البلاد ليعرفوا السبب خلعوا الباب ودخلوا الدار فلا يجدون أحدا إلا كراس وحمالة صدر...

حد النقاش عن مصدر الحمالة فهي لمرأة من زوجاتنا أو لبنت من بناتنا؟ أو تنكر الرجل الى امرأة ؟

 و عندئذ اختفى دفتر الملاحظات...

وعلا من بينهم صوت العجوز قائلة... "من لا يدري يقول سبول ".*

ترقب الناس كلهم عام كاملا، فلا نساء حاملات ولا إنجاب أطفال جدد... رجعت البلاد إلى عاداتها القديمة وبقت حكاية العشائبية قصة تتلقفها الأجيال...كيف إمرأة تنكرت لتدرس سيرة الرجال ؟ 

قرأ اللص في كوخه الحقير كلمات مثيرة منقوشة على الصفحة الأولى من المكتوب:

"قرية نساؤها متفتحة وذكورها متنكرة".

غابت الكراسة ولم نعرف من سرقها... 

منذ ذلك الحين، بدأ تأويل حضور الحشائشية مع النساء من أوليات مشاغل الناس.

ووضع كلهم دفتر الملاحظات من باكورات تخوفاتهم وهب جميعهم محققين، بغية معرفة ما يحتويه من أسرار وأذكار واخوار واعوار ...


*الي ما يدري يقول سبول...

 مثل شعبي الناس كل تتناقله لكن لا يعرفون قصته


الكاتب

عبد الفتاح الطياري

30.11.2022



هناك تعليق واحد:

المشي على حافة الوجع//الكاتبة أم ميسم

 المشي على حافة الوجع أتعرفُ كيفَ تسافرُ في مدارِ الروحِ...؟ كيفَ تشقُّ لكَ قنطرةً من بكاءٍ بين حواري القلب، ودهاليزه المعتمة المكتظة بالآهِ...